كتبت / أميرة أحمد عمر

ليست جريمة تعدين، إنها جريمة جوع

في صحراء شمال الوادي، حيث لا ماء ولا ظل، لا يبحث السوداني عن حبيبات الذهب، بل يبحث عن كرامة أسرته، شباب في مقتبل العمر دفعتهم الظروف والحرب من جميع مدن السودان إلى قلب التيه، يحملون فأساً بدلاً من سلاح، ومعولاً بدلاً من بندقية.

هناك في منجم الأنصاري قيل إن السماء أمطرت ناراً، نتحدث عن استهداف جوي أودى بحياة العشرات من المنقبين السودانيين العزل العدد لا يزال محل تضارب، والمصادر لا تزال غير رسمية، الحكومة السودانية لم تؤكد بعد ! ولكن الفاجعة بحد ذاتها وتكرارها للمرة الثانية، فى العام الجارى تنقلنا من خانة الحادث العرضي إلى خانة النزيف المستمر.

إن ما يحدث ليس مجرد تجاوز حدودي، بل هو سقوط أخلاقي وإنسانى، هؤلاء ليسوا متسللين مسلحين كى يحملون سلاحا، بل هؤلاء فقراء حرب، ضحايا صراعات الحكومات حول السلطة، دولة انهارت جميع مؤسساتها، فأغلقت مصانعها وتوقفت مزارعها، ولم تترك لشبابها سوى خيارين : الموت جوعاً في الداخل، أو الموت قصفاً في الصحراء.

والمفارقة المؤلمة أنهم يموتون مرتين، مرة بنيران يقال إنها خارجية، ومرة بصمت داخلي مطبق متعمد.

أين الدولة ؟

هذا هو السؤال الذي يصرخ به كل بيت سوداني فجر اليوم أين وزارة الخارجية من دماء مواطنيها ؟ أين مؤسسات الدولة السيادية من كرامة جواز السفر السوداني ؟

لم يصدر حتى لحظة كتابة هذه السطور بيان رسمي واحد يوضح الحقيقة، أو يكشف عن مصير المفقودين، أو يطمئن أمهات ينتظرن على أبواب القرى في نهر النيل والشمالية.

إن السيادة الوطنية لا تقاس بعدد البيانات العسكرية، بل بقدرتك على حماية مواطن أعزل حين يستنجد بك. فما قيمة السيادة إذا كان المواطن يقتل ولا يجد من يدافع عنه ؟ وما جدوى الحكومة إذا كان أبناؤها يعودون جثامين دون حتى كلمة عزاء رسمية ؟

إن صمت الدولة على ما يجري في شمال الوادي هو أخطر من الحادثة نفسها لأنه يمنح ضمنياً رخصة مفتوحة لتكراره ويفتح الباب أمام تمدد النفوذ على حساب الأرض والإنسان معاً. نحن لا نطالب بحرب ولا نؤجج فتنة مع جوارنا. نحن نطالب بدولة تحترم مواطنها .

نطالب بجيش قومي واحد ودولة قانون وحكومة تضع حياة المواطن السوداني فوق كل الحسابات السياسية والمصالح الضيقة.

على سفارتنا في القاهرة أن تتحرك فوراً وعلى الخارجية السودانية أن تطلب تحقيقاً عاجلاً وشفافاً، وتعلن الحقيقة كاملة للرأي العام. فكرامة السوداني ليست محل مساومة.

رحم الله من فقدنا في صحراء الشمال، وهم يبحثون عن لقمة حلال، وشفى الله المصابين، ورد المفقودين إلى أهلهم سالمين .

إنا لله وإنا إليه راجعون.