حذرت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان من تصاعد المخاطر التي تواجه المدنيين في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان ومناطق أخرى من البلاد، مشيرة إلى توسع حرب الطائرات المسيّرة والهجمات على البنية التحتية الحيوية، إلى جانب مزاعم عن الاحتجاز التعسفي والترهيب من جهات أمنية مرتبطة بالقوات المسلحة السودانية.

وقال رئيس البعثة، محمد شاندي عثمان، خلال إحاطة أمام اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بالمسائل الاجتماعية والإنسانية وحقوق الإنسان، إن البعثة أصدرت ورقة جديدة بعنوان «حرب السودان المستمرة بلا هوادة: دمار يلحق بالمدنيين وتفاقم انعدام الأمن في الأبيض»، وثقت فيها هجمات متكررة بمسيّرات قوات الدعم السريع على مواقع في المدينة، فضلاً عن مناخ من الخوف والترهيب قالت إنه نشأ بفعل ممارسات القوات المسلحة السودانية وحلفائها.

وأضاف عثمان أن استمرار الهجمات وانعدام الأمن والضغط على البنية التحتية المدنية يضع سكان الأبيض أمام مخاطر جسيمة، محذراً من أن تدهور الأوضاع قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد في المدينة، التي تمثل مركزاً مهماً للعمليات الإنسانية في إقليم كردفان.

وتأتي التحذيرات في ظل تصاعد هجمات المسيّرات في مناطق مختلفة من السودان. ففي أكتوبر الحالي، قُتل ما لا يقل عن 31 مدنياً، معظمهم من النساء والأطفال، في هجوم بطائرة مسيّرة قرب موقع لإيواء النازحين في ولاية النيل الأزرق، وفقاً للأمم المتحدة. كما شهدت منطقة أبيي المتنازع عليها هجوماً بمسيّرات قرب سوق أمّيت ومنطقة توداش في 19 أكتوبر، أسفر عن مقتل عشرات المدنيين وإصابة آخرين، بحسب الأمم المتحدة.

وفي إحاطته، قال عثمان إن البعثة وجدت أسباباً معقولة للاعتقاد بأن نقل الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية والدعم اللوجستي والأفراد الأجانب إلى طرفي الصراع عزز قدراتهما العسكرية، وسهّل الاستخدام المتزايد لأنظمة أسلحة معقدة، خصوصاً المسيّرات بعيدة المدى.

وأشار إلى أن الأدلة التي جمعتها البعثة توحي بوجود شبكة عابرة للحدود مكّنت العمليات العسكرية لقوات الدعم السريع، وقال إن أفراداً وجهات تعمل من الإمارات العربية المتحدة وتشاد وجنوب شرق ليبيا وبونتلاند في الصومال سهّلوا، وفق نتائج التحقيق، نقل أسلحة وتكنولوجيا مرتبطة بالمسيّرات ودعم لوجستي وأفراد إلى مناطق تسيطر عليها القوات، بينها نيالا بولاية جنوب دارفور.

وأضاف أن متعاقدين كولومبيين أدوا دوراً مهماً في سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر 2025، كما حددت البعثة وجود مقاتلين أجانب من دول مجاورة يعملون مع القوات في الفاشر ومناطق أخرى. وأكد أن التحقيق في الدعم الخارجي للقوات المسلحة السودانية لا يزال جارياً.

وكان تقرير البعثة المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان في سبتمبر قد خلص إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن القوات المسلحة السودانية استخدمت مسيّرات موردة من الخارج في عمليات ألحقت أضراراً بالمدنيين والأعيان المدنية. ودعا عثمان الدول والأطراف التي تمد المتحاربين بالسلاح والمقاتلين والدعم العسكري، وكذلك الجهات المستفيدة اقتصادياً من الحرب، إلى إعادة النظر في عواقب أفعالها واحترام القانون الدولي.

وفي سياق متصل، أشار رئيس البعثة إلى أن أكتوبر شهد هجمات دامية عدة، بينها هجوم بمسيّرات في ولاية النيل الأزرق أوقع، وفق ما أورده، 30 قتيلاً على الأقل من النازحين، بينهم نساء وأطفال، فضلاً عن هجومين جويين مصريين على منطقة تعدين قرب الحدود السودانية المصرية في 10 أكتوبر، قالت تقارير إنهما أسفرا عن مقتل 72 من عمال مناجم الذهب. كما أشار إلى هجوم بمسيّرات في أبيي ومحيطها في 19 أكتوبر، أفادت تقارير بأن القوات المسلحة السودانية شنته، وأدى إلى مقتل 80 شخصاً على الأقل وإصابة آخرين.

وبعد مرور عام على سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، جدد عثمان التحذير من استمرار مخاطر الفظائع في دارفور، مشيراً إلى أن الناجين ما زالوا نازحين، وأن مصير كثيرين لا يزال مجهولاً، بينما لم تتحقق العدالة والمساءلة عن الانتهاكات التي تعرض لها السكان.

وكانت البعثة قد قالت في تقرير سابق إن قوات الدعم السريع نفذت حملة تدمير منسقة ضد مجتمعات غير عربية في الفاشر والمناطق المحيطة بها، وإن سمات الحملة تشير إلى وقوع إبادة جماعية. وشملت الانتهاكات التي وثقتها البعثة القتل الجماعي والاستهداف على أساس عرقي والتجويع وفرض ظروف معيشية يُقصد بها تدمير جماعة كلياً أو جزئياً.

ودعا عثمان إلى توسيع نطاق المساءلة بحيث تشمل، إلى جانب مرتكبي الجرائم، الجهات التي تمولها وتيسر ارتكابها، مؤكداً أن مستقبل السودان لا يمكن أن يقوم على الإفلات من العقاب، وأن تحقيق سلام عادل ودائم يتطلب حماية المدنيين ومنع الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.